إبراهيم المراكشي يكتب: أضواء على عوامل تخلفنا: غربة القضاء وتغريب منظومته

أضواء على الجوانب الاقتصادية من أزمة كوفيد-19 على المغرب

المنظومة التي تحكم وتؤطر النظام القضائي المعاصر، تعود جذور أسسها ومعالمها إلى الثورة الفرنسية وما تلاها من أحداث. لهذا من الطبيعي أن تتأثر بيئة نشأتها بقيم الحضارة الغربية وقوانينها (القانون الروماني، القانون الكنسي، القانون الفرنسي، العرف الانجليزي، إلخ.)… وبما أن الثورة الفرنسية سارت في خط موازي مع تطور الفكر الرأسمالي، وعكست في نهاية المطاف تصوره في تأطير المجتمع، كان من الطبيعي، بل ومن الضروري أن يكون النظام القضائي المشيد مستجيبا لحاجيات المجتمع الغربي وطببعة نظامه الرأسمالي الفتي. بمعنى آخر، أن يشكل جزءا من النظام الإنتاجي الرأسمالي، يتغذى منه ويساهم في تغذيته في آن واحد. وهذا ما يفسر سبب تحول، ولأول مرة في تاريخ البشرية، العدالة إلى تجارة، بينما القضاء أصبح مكلفا للمتقاضين. بصيغة أخرى، لكي تحصل على حقك عليك أن “تدفع” ، وكلما “دفعت” أكثر إلا وارتفع احتمال حصولك على حقك كاملا.

في جوهره، أصبح يتم مقاربة القضاء بشكل مادي وبنفس المنطق الذي يحكم السلع والبضائع. فمن أجل رفع تكلفة التقاضي أُدخل العديد من الوسطاء بين القاضي والمتقاضين، وتم خلق نظام اقتصادي قضائي متكامل يحرسه جيش من الموظفين، رتبهم (السلاليم الإدارية) لا تختلف في الجوهر عن الرتب العسكرية، جيش من الموظفين خاضع لنظام إداري صارم.

لضمان نجاح هذه المنظومة واستدامتها أُفرغت العدالة من بين أهم مضامينها، وهي السرعة التي تحقق النجاعة والفعالية. فمن المعلوم أنه كلما طال انتظار المتقاضين إلا وارتفع احتمال ضياع الحق كله أو بعضه. هذه المنظومة التي شيدت يستحيل بلوغ أهدافها في ظل قضاء سريع، لهذا أدخلت تقنية المساطر وتعددت الإجراءات القضائية وتعقدت. وكلما كان القضاء بطيئا كلما سمحت دائرته بخلق أكبر عدد من مناصب الشغل، وزيادة أعداد المتقاضين “الزبناء”، مما يعني ضرائب ورسوم، أي مداخيل أكثر لصالح خزينة الدولة، وخلق عدد أكبر من مناصب العمل غير المباشرة. غير أن القضاء البطيء يحمل في طياته عوامل فساده. في الماضي كان المظلوم يأخذ حقه بشكل مباشر دون أن يطول انتظاره؛ لا نقول عن هذا النظام أنه خال من العيوب وأخطاؤه منعدمة، لكن عيوبه أقل وأخطاءه أقل من النظام الحالي. أما في ظل هذا النظام الأخير، فعلى المتقاضي أن يصبر فوق صبره، صبرا إضافيا على طول انتظاره.

في ظل هذه المنظومة القضائية ليس بالضرورة أن يأخذ المظلوم حقه، فذلك يبقى رهينا بالعوامل السالفة الذكر. فمثلا إذا كان لديك محامي شاطر، احتمال أن تنفلت من منظومة العدالة، وتنتقل من دائرة الإدانة إلى دائرة البراءة، يكون أكبر. بصيغة المخالفة، المظلوم قد لا يأخذ حقه، وقد يجد نفسه في نهاية المطاف مسجونا، فقط لأن ليس لديه القدرة على تحمل تكلفة “العدالة” في ظل هذه المظومة القضائية الوفية للنظام الرأسمالي لدرجة التقديس، بل العبادة. والحق أريد أن أفتح قوسا صغيرا لنؤكد على أن الفكر الرأسمالي ليس مجرد نظام اقتصادي، بل هي ديانة قائمة الذات، لها معابدها وكهنوتها وأتباعها، وجوهرها قائم على الشرك بالله. هذه هي حقيقة النظام الرأسمالي من وجهة نظري وهي عارية من أية مساحيق. وهي قطعا ككل “الحقائق” تظل نسبية.

نغلق سريعا هذا القوس، ونعود لنقول على أن القضاء في ظل هذه المنظومة، ومعها مفهوم العدالة، قد انتقل من دائرة اليقين إلى دائرة الشك.

لقد تطور القضاء في المجتمع الغربي بشكل كبير، ودعم ركائز شفافيته دون أن يتخلى عن هذه العناصر السالفة الذكر (قضاء بطيء، قضاء مكلف، قضاء يعكس القيم الرأسمالية)، بينما القضاء في الدول “المتخلفة”، كالمغرب، أصبح هاجسا لمن ليس له القدرة على “الدفع”، بل أصبح المتقاضي الداخل إلى دهاليز المحاكم كالمفقود، والخارج منها مولود، قد تطول فترة حصوله على حقه، قد يستغرق الأمر سنوات، وقد لن يحصل عليه أبدا.

في اعتقادي، النظام القضائي الذي كان يمارسه “القايد” في مغرب القرن التاسع عشر كان أكثر عدلا من النظام القضائي الحالي، والأكيد أكثر نجاعة.

إذا كان النظام القضائي المعاصر قد استجاب لحاجيات المجتمعات الغربية، فإنه لا يعني بالضرورة صلاحه وصلاحيته سليمة للتطبيق في المجتمعات الإسلامية، وما المشاكل التي تعاني منها المنظومة القضائية في هذه البلدان لأكبر برهان. إن سر تخلفنا يعود لاستيرادنا لقوالب جاهزة وضعت في الأصل لتنظيم مجتمعات غربية تختلف جوهرا وتفصيلا عن المجتمعات الشرقية، وهي قوالب عمل على نقلها الاستعمار، وأرسى أسسها في أوطاننا. لندع جانبا بعض المسلمات، كالقول مثلا بالقيم الإنسانية المشتركة، فهذه تحتاج لتفصيل دقيق لا يسعه المقام هنا.

باختصار، ما نود قوله هو أن حكوماتنا وأنظمتنا مادامت عاجزة عن بناء نموذجها الخاص في شتى المجالات والميادين، وعلى رأسها المنظومة القضائية، فستظل مجتمعاتنا متخلفة، وتابعة  غير مستقلة في اختياراتها وفي تدبير ثرواتها. إن الشعور بالغربة الذي يشعر به معظمنا، الشعور بكوننا مهاجرين غرباء في أوطاننا، فالسبب يعود إلى كوننا محاصرين من كل جانب بعوامل التغريب، بشقيه من الغربة ومن الغرب. 

تخلفنا له جوانب متعددة، وفي هذا المقام حاولنا تسليط الضوء على جانب واحد فقط. لا مجال لنهضة حقيقية بدون منظومة قضائية شفافة وعادلة، نابعة من قيمنا الخاصة، وتستجيب لمتطلبات تحقيق التنمية. 

شارك المقال