إبراهيم مراكشي يكتب: مغرب الكفاءات: لماذا الشباب الآن؟

mohssine.elja
2021-08-10T22:50:43+00:00
كُتّاب وآراء
mohssine.elja10 أغسطس 2021آخر تحديث : الثلاثاء 10 أغسطس 2021 - 10:50 مساءً
إبراهيم مراكشي يكتب: مغرب الكفاءات: لماذا الشباب الآن؟
إبراهيم مراكشي: أستاذ جامعي – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة

قوة المغرب الحقيقية تكمن في قاعدته الهرمية الفتية، أي تلك التي يتراوح أعمارها ما بين 15 سنة و35 سنة، وهي الفئة التي أولى لها تقرير النموذج التنموي الجديد عناية فائقة، إذ أوصى بضرورة إدماجهم وتنمية شخصيتهم عبر الرفع من فرص وسبل المشاركة المتاحة لهم، لكن كيف السبيل إلى ذلك وقنوات الادماج الرئيسية للشباب في المجتمع معطوبة أو شبه مشلولة. ويتعلق الأمر بالقنوات الرئيسية التالية:
– الأسرة.
– المدرسة والجامعة.
– الأحزاب السياسية.
– المجتمع المدني.
– وأخيرا سوق الشغل.

تعد هذه الأركان الخمس القنوات الرئيسية لأي مجتمع لبناءه على أسس سليمة ومتينة، وعلى أساسها يتم اندماج الشباب. هذه القنوات بالمغرب تشوبها اختلالات جوهرية، وأصابها خلل وظيفي عميق، بل ولم تكن يوما تؤدي وظائفها بشكل سليم. إن تعمقنا في هذه النقطة سنجدها السبب الرئيسي وراء تعثر المغرب في سلم التنمية البشرية، وبطبيعة الحال وراء التعاسة التي تكسي معالم وجوه العديد من شبابنا اليوم. فمعظم شبابنا اليوم غير سعداء، يعيشون حزنا دفينا، لا يعرفون من السعادة سوى الإسم، في مجتمع تغيرت نظرته للقيم والأخلاق كالفضيلة والمروءة والصدق والصدق والأمانة والإخلاص… مجتمع بات ينظر إلى هذه القيم بمعايير مادية صرفة. إن جدار المناعة الأخلاقية للمجتمع في تآكل وفي ذوبان، كالملح في الماء.

في المغرب شبابه قوة مؤجلة إلى حين، طاقة غير مستغلة ومهدورة. والتقرير الذي وضعته لجنة النموذج التنموي الجديد بحثت مليا في هذه النقطة، أي تحرير الطاقات والكفاءات. والشيء بالشيء يذكر، وهنا نشير إلى كون الحديث عن هذا التقرير قد خفت في وسائل الإعلام وفي النقاشات العمومية، ونخاف أن يكون قد دخل مبكرا مرحلة الأرشيف.

نقول لو كانت قنوات الاندماج هاته قائمة على أسس متينة وفعالة في أداء وظائفها لما شعر الشباب بالغربة في وطنه، ولما ألقى بنفسه في عرض البحر، وهجر وطنه، باحثا عن الانتماء والاعتراف في بلد غيره. إن هذه القنوات هي العامل الرئيسي في الإقصاء الاجتماعي الذي يعاني منه الشباب اليوم. لماذا؟

سنتطرق بعجالة إلى كل ركن من هذه الأركان، وسنبين الأسباب التي جعلت من كل ركن عاملا للإقصاء عوض أن يكون، كما يفترض فيه، عاملا للإندماج.
الأسرة هي أول ركن من هذه الأركان. لطالما شكلت الأسرة المغربية خط الدفاع الأول المحافظ عن الأخلاق وقيم التماسك والتضامن، فهي المدرسة الأولى التي ينهل منها الطفل المحددات المكونة للشخصية المغربية. ظلت الأسرة المغربية متينة ومتماسكة حينما كانت الحياة بسيطة، إن تعقد الحياة المعاصرة، وارتفاع تكاليفها أرخى بظلاله على استقرارها، وأثر بشكل سلبي على مكانة الأب الاعتبارية وسلطته المادية والمعنوية، وكان هذا من العوامل التي أدت إلى تفكك بنيتها. وما يدل على ذلك هو الارتفاع المهول للطلاق، الذي لا يقل سنويا عن 100 ألف حالة.

إن بنية الأسرة المغربية تمر بأزمة، وجائحة كوفيد-19 أثبتت ما هو معلوم ومعروف، وهي أن هذه الأزمة هي نتاج الأزمة الاقتصادية التي تشهدها البلاد. فخلال الستة أشهر الأَولى للجائحة، أي إلى حدود متم شهر يوليوز من سنة 2020، سجلت محكمة الأسرة بالدار البيضاء ما لا يقل عن 1000 طلب في اليوم، ومحكمة أكادير 1400 طلب في اليوم. إنها أرقام مرعبة، تدل على كون بنية الأسرة في تفكك، في المقابل، نجد نواة الأسر الجديدة في تقلص نتيجة عجز الشباب عن تكوين خلية أسرية بسبب إكراهات اقتصادية.
هذا عن المدرسة الأولى، أي الأسرة، فماذا عن المدرسة الثانية المكملة لها، أي المدرسة؟
العلاقة بين المدرستين لم تعد وظيفية تكاملية؛ فمن الطبيعي أن يرخي فشل المدرسة الأولى بظلاله على المدرسة الثانية. إن المشاكل التي يعاني منها الطفل داخل أسرته ينقلها إلى فضاء المدرسة العمومية. هذه الأخيرة فشلت فشلا ذريعا كآلية للتربية والتعليم والرقي الاجتماعي، بل أصبحت عاملا يكرس الطبقية ويورث الفقر والفشل. كيف ذلك؟

في مقدمة أركان الاندماج المجتمعي نجد المدرسة العمومية، الواحدة والموحدة، التي يدرس فيها أبناء مختلف الطبقات، الغنية والميسورة الحال، مع المتواضعة والفقيرة، كل جنبا إلى جنب داخل نفس الحجرة الدراسية، ضمن نفس الظروف، وفي تكافؤ للفرص… الجميع يدرس نفس المقررات، وبالتالي يتشرب نفس القيم.
حينما كانت المدرسة واحدة، كان أمام أبناء الفقراء الفرصة، بقليل من الاجتهاد، للخروج من الفقر وتحقيق الصعود المجتمعي، لكن هذا الباب يكاد يقفل كليا منذ أن جرى “بلقنة” المدرسة العمومية، فاختل ميزان التكافؤ بين من يدرس في ظروف جيدة ومريحة من ناحية بنية الاستقبال والتأطير والتكوين البيداغوجي بالتعليم الخصوصي، وبين من يدرس في مدرسة عمومية يعاني من الاكتظاظ وهشاشة بنية الاستقبال، وضعف التأطير البيداغوجي والمواكبة. إن تشرذم التعليم بين ما هو عمومي وما هو خصوصي، أثقل كاهل الطبقة الوسطى بمصاريف إضافية.
في ظل هذه الظروف تتقلص آفاق الرقي الاجتماعي لأبناء الطبقات الهشة، ويصبح النفق ضيقا، لا يسمح بالمرور سوى للأذكياء المتفوقين، الذين يعدون كل سنة على رؤوس الأصابع، بينما السواد الأعظم من التلاميذ آفاقهم مظلمة، مادام ما اكتسبوه من معارف ومدارك، والمعدل المحصل عليه، لا يخول لهم المضي قدما في المعاهد العليا المتخصصة. ما الذي يعنيه ذلك مستقبلا؟

أشياء كثيرة على أرض الواقع، فالفقر لن يتراجع، ومعدلاته ستظل كما هي، إن لم تسجل ارتفاعا، لأن الفقر وثقافته تورثان، وغالبا ما ينتقل من الأب إلى الأبناء، كما أن ذلك يعني ارتفاع معدلات البطالة والهشاشة، والاقصاء، والجريمة، إلخ.
حينما كان للمغرب مدرسته العمومية الواحدة والموحدة، كان التلاميذ يكتسبون نفس القيم، أما اليوم فالقيم التي يكتسبها رجال الغد ليست على ملة واحدة نتيجة اختلاف المقررات الدراسية بين المدرسة العمومية والمدارس الخصوصية، بل هذه الأخيرة نجد فيها اختلافات بينة في محتوى المقررات. وكأن المغرب يرغب في صناعة جيل هجين لا يعرف بعضه بعضا، ولا تجمعه قيما موحدة للعيش المشترك. المغرب بذلك يزرع داخل جسد الوطن الواحد بذور الشقاق والانقسام بين الأجيال الصاعدة.

الأسرة لم تعد تؤدي وظائفها كركن يمنح للطفل الأدوات الأولى التي تسهل عليه عملية الاندماج، والمدرسة العمومية بدل أن تنتج لنا المتفوقين، أصبحت تخرج سنويا جيوشا من الفاشلين غير المنضبطين، بعد أن جرى فصل التربية عن التعليم. فماذا عن بقية الأركان الأخرى؟
بالنسبة للأحزاب السياسية نجدها فقد فشلت بدورها فشلا ذريعا كآلية لادماج الشباب في الحياة السياسية، كما فشلت الأسرة وأُفشلت المدرسة العمومية. فقدت الأحزاب قدرتها على استقطاب المواطنين، وتكوينهم وتأهليهلم سياسيا، نتيجة الأزمات المتعددة التي تعصف بها: أزمة قيادة، أزمة ديموقراطية داخلية، أزمة مذهبية، أزمة ثقة، أزمة صراع بين الأجيال، إلخ. الشرخ عميق بينها وبين المواطن، وجسور الثقة بينهما محطمة، كانت محصلة ذلك نفور الشباب من العمل السياسي وعن المشاركة السياسية. وهو ما تسجله كل انتخابات بنسبة عزوف مرتفعة؛ وهو الأمر الذي يضع مصداقية المؤسسات التمثيلية على المحك.
الشباب يعامل الأحزاب بالمثل، فإذا كانت هذه الأخيرة تقصيه في نهاية المطاف، وبشكل منهجي  من الترشح، فما الداعي ليشارك سياسيا؟ مادامت هذه الأحزاب تصر على تقديم جيل، معظمه ناهز الستون سنة ليحل مشاكل جيل غيره، معظمهم من الشباب. أمام هذه الوضعية المربكة، نلاحظ أن شبابا أخذ زمام المبادرة، وقرر ممارسة السياسية من باب الأحزاب الصغيرة، وهي مبادرة وإن كانت محمودة، إلا أنه يصعب التكهن بنتائجها مادامت التجربة جنينية، وماتزال في مراحلها الأَولى.

زبدة الخلاصة، الأحزاب السياسي فشلت كقنوات لإدماج الشباب في الحياة السياسية، بل أصبحت عاملا للإقصاء ولنفور الشباب من كل ما هو سياسي؛ رغم مبادرات الدولة العديدة الرامية لتحفيزهم على المشاركة.
باختصار، هذا الركن الثالث، لاندماج الفرد في المجتمع أصابه هو الآخر العطب. ولهذا جاز لنا القول أن الشباب اليوم يعيشون اقصاء سياسي، إلى جانب اقصاء عاطفي-أسري واقصاء معرفي-ثقافي. في ظل هذا الإقصاء الثلاثي، كيف يمكن للشباب أن يكون عنصرا فاعلا في تنمية بلاده؟
القناة الرابعة لادماج الشباب في المجتمع هي المجتمع المدني. إنه الركن الوحيد للاندماج المجتمعي الذي يؤدي وظائفه، رغم المشاكل التي يعاني منها، يقاوم الفشل، ويأبى الاستسلام له، لأنه الركن الوحيد من الأركان الخمسة الذي أخذ بزمام أموره مبادرات فردية وجماعية بهدف تقديم خدمات للمجتمع والدفاع عن حقوقه؛ ورغم أنه  يساهم في التخفيف من الأضرار الناجمة عن الاختلالات التي تعرفها الأسرة (أطفال متخلى عنهم)، والتي تشهدها المدرسة (الفشل الدراسي والهدر المدرسي)، والأحزاب السياسية (وظيفة التأطير) وسوق الشغل (خلق مناصب)، إلا أنهريظل مجتمع مدني مُحاصر، مراقب، وفي العديد من الحالات مُضيق عليه.
يبقى الركن الأخير من أركان الاندماج المجتمعي، يتعلق الأمر بالوظيفة أو المهنة؛ فهي العامل الحاسم في تحقيق استقلالية الفرد، وبناء حياة خاصة. فالمرء أصبح تحدد مكانته ووضعيته الاعتبارية داخل المجتمع انطلاقا من الوظيفة التي يشغلها. باختصار الشغل يعني كرامة المواطن، وحينما يختل سوق الشغل ويعجز عن استيعاب الأفواج المتتالية من الشباب تنتفي الكرامة، وتنتهك أبسط الحقوق. ولهذا نجد أن المعضلة الكبرى التي تؤرق بال الشباب هو العمل، وهذه المعضلة هي نتيجة تراكمات خاصة وعمومية تشمل الأسرة والمدرسة، والسياسات عمومية المرتبطة بالشغل. إن نسبة البطالة المرتفعة التي تمس الشباب، يجعل من سوق الشغل مدخلا من مداخل الإقصاء، عوض أن يكون قناة من قنوات الإدماج المجتمعي.

السؤال الذي يتبادر إلى ذهني بعد كل ما استعرضناه هو: أي مغرب نريد؟ مغرب الجرأة؟ مغرب دامج؟ مغرب مستدام؟ مغرب الكفاءات؟َ كما طالب بذلك النموذج التنموي الجديد.
في مطلق الأحوال، هذه التطلعات التي سطرها تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد لا يمكن بلوغها بمعزل عن الشباب، ودون تحرير طاقاتهم وإبراز مواهبهم، وتكوينهم تكوينا يستجيب لمتطلبات المرحلة الحالية. لذلك يظل التعليم العمومي قطب الرحى لإنجاح التحدي الذي رفعه المغرب في أفق 2035.
وهذا المراد لا يمكن بلوغه إلا إذا كان المحيط الذي يحيا فيه الشباب محفزا، من خلال أسرة متماسكة ومتلاحمة، تؤدي وظائفها العاطفية والوجدانية والتربوية؛ ونؤكد مرة أخرى على محورية المدرسة العمومية الواحدة والموحدة، الضامنة لتكافؤ الفرص، مدرسة يتلقى فيها التلميذ في الحواضر، كما في أعالي الجبال بالقرى والبوادي نفس القيم والمبادئ الوطنية، وجامعة تشجع على انتاج الفكر والابتكار.
إن الشباب اليوم في أمس الحاجة لأحزاب سياسية تقوم بوظائفها التأطيرية تجاههم بكل شفافية، وفي تكامل للأدوار بينها وبين فعاليات المجتمع المدني، وتتيح لهم إمكانية تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام الوطني والمحلي.
الشباب اليوم هم الرافعة الرئيسية للتنمية، وهم المعنيون ببناء مغرب الغد، لذا لا بد من تسليم المشعل إليهم ليقودوا المرحلة المقبلة.
إن التغيير ومحاربة الفساد لن يقوم به الجيل الذي قارب الستون سنة ونيف، المتمسك بالسلطة والمتشبت بأهدابها. إذ لا يعقل لمن كان سببا في الفساد، أن يُطالب بمحاربته ومجابهته. لقد ارتكبوا جريمة متكاملة الأركان في حق الشباب، اغتالوا أحلامه، وحطموا تطلعاته، فلا ينبغي تكرار نفس الأخطاء تجاه الجيل الصاعدَ
المرحلة المقبلة، والتي عنوانها الرئيسي: النموذج التنموي الجديد، تتطلب أن نثق في الكفاءات الشابة، وأن تمنح لها الفرصة، لأنها الأدرى بمشاكلها، دون غيرها.
مطالب الشباب اليوم تتلخص في ثلاث: كرامة العيش، أمان اقتصادي، وسلام عاطفي-وجداني. توجد خمس مداخل لتحقيق ذلك، وهي:
– أسرة متماسكة ومستقرة ماديا.
– مدرسة عمومية متطورة.
– أحزاب سياسية تتمتع بالمصداقية، وبالتالي مؤسسات تمثيلية ديمقراطية.
– مجتمع مدني يشكل القلب النابض للمجتمع، يعكس تطلعاته، ويدافع عن حقوقه.
– سوق للشغل مرن له القدرة على إدماج الشباب.

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة