إبراهيم مراكشي يكتب: مواقع التواصل الاجتماعي: القاتل الصامت للديمقراطية

الواضح24
2021-07-18T00:23:33+00:00
كُتّاب وآراء
الواضح2418 يوليو 2021آخر تحديث : الأحد 18 يوليو 2021 - 12:23 صباحًا
إبراهيم مراكشي يكتب: مواقع التواصل الاجتماعي: القاتل الصامت للديمقراطية
إبراهيم مراكشي: أستاذ جامعي – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة
إن ما تقوم به إدارة الفايسبوك من توقيف مؤقت أَو إغلاق نهائي لحسابات أصحابها وذلك لمجرد تعبيرهم عن رأي أو موقف سياسي مخالف لتوجهاتها، يعد مؤشرا دالا على ما ينتظر حرية التعبير من قيود زمن الرقميات والذكاء الاصطناعي. إن مواقع التواصل الاجتماعي هي في الواقع عبارة عن هدايا مسمومة.
هذا المثال البسيط الذي ذكرناه آنفا، وهناك أمثلة أخرى معقدة، نقول هذا المثال يدل على أن سعة صدر الشركات العالمية التي تشتغل في تقنيات الاتصال الحديثة لا يتسع للاختلاف، و لا تتقبل فكرة الرأي والرأي الآخر. وفي هذه النقطة تحديدا تتشابه مع أنظمة العديد من الدول النامية، ولا ترى مانعا في التعاون معها استخباراتيا وأمنيا ضد مواطنيها. هذه الشركات تملك من الوسائل ما يجعل منها طرفا فاعلا ومؤثرا في سقوط أو صعود الرؤساء في أعرق الأنظمة الديمقراطية.
ومن المعلوم أن هذه الشركات العالمية تكن عداوة دفينة للديمقراطية في شكلها الحديث، وترغب في تعديل قواعد لعبتها بما يخدم مصالحها ورغبتها في السيطرة على المجتمعات، والتحكم بها.
من الغباء أن نقتنع بكون التقدم التقني سيشكل مستقبلا عاملا مساعدا على الانفتاح الديمقراطي وتقوية المؤسسات الديمقراطية في الدول المتقدمة والنامية على حد سواء. بل لربما العكس تماما هو الذي سيقع. إن التطور التقني بات اليوم يشكل تهديدا حقيقيا للحريات العامة. في الواقع، ليس الإشكال في تقنيات الاتصال والتواصل الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، وإنما في طريقة توظيفها واستغلالها من طرف أجهزة الدولة الأمنية والاستخباراتية ضد مواطنيها. هذه التقنيات هي بكل تأكيد سيف ذو حدين. والخطير في الأمر أنه يتم تحفيز الإنسان، وإغراءه على استخدام هذه التقنيات والآليات الحديثة للاتصال. وفي الحقيقة، كلما زاد اعتماده واتكاله عليها في حياته اليومية، كلما صعُب عليه الاستغناء عنها، وفتح عليه مجالا واسعا للدولة، لم يكن متاحا لها من قبل، للتضييق أكثر من هامش حريته وإرادته في الاختيار على مختلف الأصعد. فبواسطة هذه التقنيات والآليات يتم التأثير مثلا على اختياره السياسي والانتخابي؛ بل وأيضا توجيه سلوكه من اختياراته في الأكل، وذوقه في الملبس، ومحدداته التي يحدد من خلالها الآخر في قيمه وتدينه وعلاقاته العائلية والاجتماعية، إلخ.
إن الرقابة التي أصبحت تمارسها الدول، بدرجات متفاوتة، على الحياة الخاصة للأفراد، بواسطة التقنيات الحديثة هي أخطر وأشمل من ذي قبل؛ بل ونجد بعض الأنظمة كالصين والدول الشرق أوسطية تتجه نحو ديكتاتورية أشمل من تلك التي كانت سائدة من قبل. فالتطور التقني سمح لها بتوسيع مجال رقابتها  على أوسع نطاق. فالصين اليوم تمكنت من عد أنفاس جميع مواطنيها، ومراقبتهم بشكل دقيق، وهذا لم يكن ممكنا لولا التقدم التقني.
لا يوجد أي اشكال حينما تمارس هذه الرقابة بموجب القانون، وتحت إشراف القضاء، -وإن كان هذا الأخير يفتقد لعنصر الاستقلالية-، وفي حالات ينظمها القانون، ويحددها على سَبيل الحصر. بيد أن الوضع يصبح مشكلة حقيقية، حينما يتم ذلك خارج القانون، وبعيدا عن رقابة القضاء، لانتهاك الحياة الخاصة للمواطنين، و أسرارهم، خاصة المعارضين والصحفيين، وغيرهم من ذوي أصحاب الرأي، بغية الإطاحة والإيقاع بهم. وهنا تثار مسألة الحدود الأخلاقية بين الحياة الخاصة للأفراد، والحياة العامة، ومدى جواز التجسس عليهم بنية كيدية.
إن الديكتاتورية التي تمارس اليوم بفضل التقنيات الحديثة هي أخطر وأشمل من الديكتاتوريات السابقة للأنظمة الشمولية، إذ تمكنت من تحطيم جدار الخصوصيات، وباتت تتدخل في أدق تفاصيل الفرد بشكل غير مسبوق.
الخلاصة، كلما قلص الفرد من اعتماده على التكنولوجيا الحديثة، كلما وسع من هامش حريته، وحمى نطاق دائرة خصوصياته، وكلما زاد اعتماده عليها، كلما ضيق من دائرة حريته، وفتح للدولة العميقة الباب ومنحها الأدوات الرئيسية التي تسهل عليها مراقبته، ضبط تصرفاته، والتحكم في ما يحيط به من عناصر متحركة. تقارير بعض المنظمات الحقوقية الدولية أثارت الانتباه إلى هذه النقطة تحديدا، وذكرت دولا عربية بالاسم وظفت آخر التقنيات الحديثة من أجل مراقبة مواطنيها، والإيقاع بمن استهدفتهم. لقد استوردت دولا عربية من شركات إسرائيلية برمجيات متطورة للتجسس تتيح لها السيطرة شبه الكاملة على الأجهزة المحمولة للصحفيين والمعارضين، وعلى المدافعين عن حقوق الإنسان، وبهذا استطاعت تصفية بعضهم بالمنشار، وإيداع بعضهم في غياهب السجون… إن المغرب غير بعيد عن هذه الدول، وقد استفاد هو الآخر من تقنيات التجسس هذه والتي توصف ب “الخبيثة”. ما العمل بخصوص هذا الموضوع؟ وكيف يمكن تحصين المغاربة ومكتسباتهم الحقوقية؟
المنظمات الحقوقية المغربية توجد اليوم أمام تحدي صعب، إذ ينبغي عليها الترافع في هذا الباب من أجل تحصين الحياة الخاصة للأفراد، وذلك بسن، كإجراءات وقائية، قوانين صارمة تحمي الخصوصيات الفردية والحق في حياة خاصة. ولا بأس من الانفتاح في هذا الباب على التجارب المقارنة لدول رائدة في هذا الباب مثل البلدان الاسكندنافية. النضال الحقوقي في المغرب لا بد له وأن يمتد ليطال هذا الجانب، بل بات أمرا ملحا.
إن العصر الجديد ينذر ببزوغ ديكتاتوريات ناعمة، لكنها أشد خطورة من جميع ديكتاتوريات العصر البائد بكل سلبياته وايجابياته، وهو العصر الذي سيكون أسياده الشركات العالمية التي تشتغل في مجال الاتصالات والمعلوميات. إن الديمقراطية الحالية ستشهد تحولات جوهرية وعميقة، دون تغيير في محور الصراع، والذي سيظل في يد من يمتلك المعلومة، والقدرة على صناعتها وتحويلها. لقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى رقم صعب في هذا المجال، وسياستها لا تعارض التعاون مع أنظمة تستهدف قمع مواطنيها. من الخاسر الأكبر؟ إنها الديمقراطية، وما حققته الإنسانية جمعاء من مكتسبات. وهذه المعركة، ليست فردية أو قطرية، وإنما معني بها جميع الأحرار في العالم، أينما وجدوا.
رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.