ابراهيم مراكشي يكتب: الشباب اليوم وتحديات تدبير الشأن العام الجماعي: حرية تحت الطلب!

الواضح24
كُتّاب وآراء
الواضح2430 سبتمبر 2021آخر تحديث : الخميس 30 سبتمبر 2021 - 5:31 مساءً
ابراهيم مراكشي يكتب: الشباب اليوم وتحديات تدبير الشأن العام الجماعي: حرية تحت الطلب!
إبراهيم مراكشي: أستاذ جامعي – كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة

مشاكل المغرب عديدة، ولا يملك أحد العصا السحرية التي ستقدم الحلول الآنية لمعالجتها؛ وأما مظاهر تخلفنا فهي كثيرة، رغم مظاهر الحداثة التي تغطي المجتمع ظاهريا، كالصقيع الذي يكسو أرضية الطريق في الفجر البكير، فيذوب عند كل إشراقة شمس؛ وأما أسباب هذا التخلف عديدُ الحَصَى والثَّرى… وفي كل هذا وذاك نجد شباب المغرب هم الشريحة الأكثر تضررا من إفرازات هذه المشاكل.
مشاكل في جودة التعليم وعدم تناسبه مع متطلبات سوق الشغل، نجد الشباب في مقدمة من يدفع الثمن غاليا بسبب ذلك… إذا لمسنا أزمة شغل، نجد أن نسبة بطالة الشباب، وخاصة الفئة المتعلمة منهم، مرتفعة مقارنة مع غيرها من الفئات العمرية… مشاكل في البنية التحتية الاستشفائية على حساب صحة الشباب الجسدية والنفسية… أينما وضعت الأصبع على إحدى المشاكل البنيوية للمغرب ستجد الشباب في مقدمة الضحايا… لماذا أركز على الشباب؟ لأنهم وقود المغرب، ومستقبله.

لطالما آمنت بأن حل مشاكل الشباب اليوم، سياسيا، بيد الشباب أنفسهم، فهم الأدرى بمشاكلهم، والجيل الذي قارب الستين سنة، أو يزيد عنها، غير قادر على حل مشاكلهم، لأنه لا يملك البديهيات الأساسية لفهم الشباب، ولا تطلعاتهم، إذ يفكر بعقلية قديمة لجيل غير جيلهم، وبنظرة أبوية، فيها الكثير من السلطوية. هذا الجيل “العجوز”، العاجز عن فهم طموحات الشباب، المتمسك بالسلطة وبتلابيبها، صار الجزء الأكبر من المشكلة، بدل أن يكون قطعة مفصلية من الحل.

لطالما آمنت بضرورة تنحيه، تدريجيا، من الحياة السياسية، ومن تدبير الشأن العام المحلي، وأن يسلم المشعل لجيل الشباب، المستنير، المؤطر سياسيا وحزبيا، الذي يمتاز بالكفاءة. لا أدعو إلى القطيعة بين الأجيال، لأن في ذلك خطر على التراكم الحضاري المجتمعي، بل لا بد من أن يواكب هؤلاء الشباب الفضلاء والنزهاء من الجيل السابق.

يبدو أن القائمين على شؤون السلطة في البلاد قد استوعبوا أخيرا هذه المسألة، وقرروا اختبار الشباب الكفء في هذا الباب، خاصة في الجانب المتعلق بتدبير الشأن الجماعي. لم يفتح الباب أمام الجميع في شفافية، ولم يكن التنافس الانتخابي شريفا، ولا نزيها، إذ سمحت “السلطة” بوصول من تراهم لا يشكلون مصدر إزعاج، وحرصت على أن تكون سيرتهم نقية. وفي هذا، ضربت عصفورين بحجر واحد، فهي أرادت أن تمنح مصداقية للانتخابات الجماعية لسنة 2021، وقد فشلت، من وجهة نظري، في ذلك، وفي نفس الوقت حفزت الأحزاب على تقديم وجوه شابة نزيهة قادرة على منافسة مترشحي حزب العدالة والتنمية، وامتصاص جزء كبير من كتلتها المصوتة، مستغلة غضب شريحة واسعة منها، ومقدمةً لها بدائل شابة، غير متورطة في ملفات سوء تدبير الجماعات الترابية.

إن الشباب اليوم الذي أُشرك في تدبير الشأن العام الجماعي، بغض النظر عن لونه الحزبي، وماضي هذا الأخير، أمام مسؤولية تاريخية، فنجاحه سيؤسس لمرحلة جديدة في التسيير الجماعي، وفشله سيحكم على المرحلة المقبلة بالفشل. فعلى هؤلاء الشباب في تدبيرهم للشأن الجماعي أن يستحضروا كونهم شبابا، جاؤوا لإيجاد حلول لمشاكل يعاني منها الشباب تحديدا. عليهم ألا يقعوا في نفس مطبات الجيل السابق، مرتكبين نفس أخطائهم، فالتاريخ لا يرحم! على هؤلاء الشباب التركيز والاهتمام بالمصلحة العامة والترفع عن المصالح الشخصية الخاصة.

هؤلاء الشباب أمام مسؤليات جسام؛ إذ على عاتقهم تقع مسؤولية إخراج الشباب من حالة الإحباط، ومنحهم الثقة والأمل في المستقبل. فوطن شبابه بلا أمل، ينتظره مستقبل أسود.

إن التحدي الأكبر الذي سيواجه هؤلاء الشباب، هو كيفية إخراج جيلهم من حالة الاحباط، وذلك من خلال الاهتمام بالثالوث “المقدس”: تعليم عمومي، صحة عمومية، وشغل للجميع. وإن كانت هذه ليست من الاختصاصات الذاتية للجماعات، لكن بإمكانها أن تساهم فيها بأشكال مباشرة، وأخرى غير مباشرة.

إن إخراج الشباب من اليأس والاحباط، يقتضي أيضا إخراج شريحة واسعة منهم غارقة في ماضي الأسلاف، وانتصاراته دون استحضار انتكاساته.
والحق، إنه ومن الجميل أن نتذكر الماضي، ومن المفيد العودة إليه، وقراءته قراءة نقدية لاستخلاص الدروس والعبر، لكن أن يعيش الشباب فيه، وهذه ليست مشكلة الشباب فقط، وإنما المجتمع بأسره… نقول أن يعيش الشباب في الماضي وبعقليته، وهم في القرن الحادي والعشرين، أو أن يتمنى العيش فيه أو أن يعود إليه، فهذه معضلة كبرى، ولا غرو أنها من أسباب تخلفنا.

إن كثرة الهزائم والانتكاسات الاقتصادية والاجتماعية، وتصدع جدار القيم والأخلاق المجتمعية، يدفع معظم شبابنا إلى التمسك بالماضي، مادام الحاضر بئيس والمستقبل غامض، يتشبت بالماضي ليس لأنه ضعيف، ولكن لأنه ينتسب لدولة ظاهريا ديمقراطية، وهي في جوهرها فاسدة مُتحكمة، جعلت مستقبله غامضا. لا غرابة أن يكون جل شبابنا يخاف من التطلع نحو المستقبل، عاجز عن تخيل مستقبله، وبالتالي غير قادر على بنائه، لأنه ببساطة لا يملك تصورا واضحا بخصوصه.
شبابنا يخاف من المستقبل، لذا يجد في العودة إلى الماضي شكلا من أشكال العزاء. وفي اعتقادي، هذه خاصية مشتركة بين شباب جميع الدول العربية. المشكل في بنية الدولة القطرية، وعندنا في بنية المخزن المغربي، وليس في الشباب، ولهذا يفضل معظمهم الهجرة، وترك أوطانهم، نحو العالم الغربي تحديدا، لأنه هناك ينعم الشاب بالحرية، ويتطلع نحو المستقبل بأمل، يمكنه أن يساهم في بنائه، وأن يشكل جزء من المستقبل الجماعي لأمته.

هذه هي التحديات الكبرى التي تنتظر الشباب، دون إسقاط صيغة المؤنث، الذي مُكن من الوصول إلى مراكز متقدمة في تدبير الشأن العام الجماعي (رؤساء جماعات، نوابهم، رؤساء لجان، إلخ.). النجاح الأكبر لهؤلاء الشباب إن هم تمكنوا من إخراج أبناء جيلهم من حالة اليأس والاحباط، وتحريرهم من قيود الماضي، ودفعهم إلى التطلع نحو المستقبل بكل ثقة. والخوف، كل الخوف، أن يتحول هؤلاء الشباب، أو على الأقل جزءا منهم، إلى مشروع كائن انتخابي جديد، أكثر خطورة عن سابقيه، لامتلاكه نصيبا من العلم ومن المعرفة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.