المراكشي يكتب: الدولة ليست عاجزة عن محاربة الفقر!

الواضح24
2021-12-24T22:04:46+00:00
كُتّاب وآراء
الواضح2424 ديسمبر 2021آخر تحديث : الجمعة 24 ديسمبر 2021 - 10:04 مساءً
المراكشي يكتب: الدولة ليست عاجزة عن محاربة الفقر!
إبراهيم المراكشي: أستاذ جامعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بطنجة

أفضل استثمار عمومي، هو أن تستثمر الدولة في بناء صحة مواطنيها وتوفر لهم منظومة تعليمية تربوية عمومية متطورة، هذا الاستثمار يعد بمثابة الوقود الحيوي لتنمية متوازنة ومستدامة. هذه القاعدة معلومة لدى العامة والخاصة، وصارت اليوم من المسلمات، التي لا تحتاج لأي بيان أو تبيين. والدولة النامية التي لا تستثمر في الإنسان، أو تقصر في هذا الجانب، تعبر بالفعل، لا بالقول، عن عدم رغبتها في تنمية البلاد وتقدمها، وعن إرادتها في الحفاظ على جمود الوضع الحالي، وعدم حدوث تغييرات مجتمعية ايجابية كبرى تقود إلى إصلاحات عميقة في بنية الدولة.

في المغرب الرسمي، أو لنعبر عنه بأقليته المتحكمة،  لا ترغب أن يقود “التنمية” قاعدة عريضة من الهرم السكاني مكونة من فئات ذات مستوى تعليمي عالي، لهذا نجد مثلا التوجيه المدرسي يدفع مبكرا الشباب ويشجعهم نحو اختيار التكوينات المهنية والحرفية والأنشطة الذاتية، وذلك منذ الانتهاء من السلك الإعدادي بالنسبة للتكوين المهني، ومباشرة بعد الحصول على البكالوريا بالنسبة للتكوين التقني. إن فكرة المقاول الذاتي تندرج ضمن هذه الاستراتيجية، التي من بين أهدافها التضييق من نطاق ومجال الوظيفة العمومية.

المغرب الرسمي، وأقليته المتحكمة، يريدان نسبة ضئيلة من المجتمع مكونة من المهندسين والكفاءات تَقود، حتى يسهل عليها ضبطها والتحكم فيها، وحتى لا تشكل تهديدا لمصالحها، وأما بقية المجتمع فتُقاد، أي مجرد تابعة، تسير وراء المجموعة الأولى؛ وهي مكونة من أصحاب الحرف والمهن البسيطة والمتواضعة، أي المهن التي لا تساعد عموما على الخروج من الفقر، ومطالبها ذات طابع اجتماعي وليس سياسي.

ليس في مصلحة الأقلية المتحكمة أن يتبنى المغرب نموذجا كنموذج دول جنوب شرق آسيا، مثل كوريا الحنوبية، إذ نجد نسبة مهمة من ساكنتها هي أصلا من ذوي الكفاءات العالية أو المهن المتخصصة، أو مثل نموذج دولة سنغافورة التي نجحت في بلوغ جميع شبابها مستوى الإجازة في تخصصات متنوعة، أي ما يعادل مستوى دراسي يصل إلى أربع سنوات من بعد شهادة البكالوريا. الاستثمار في الرأسمال البشري هو الأساس المتين الذي بدونه يصعب تثمين أصناف أخرى من الرأسمال المادي واللامادي.

من الثابت والمؤكد أن المغرب الرسمي لا يريد تبني النموذج الآسيوي، إذ في هذه الحالة سيكون معظم سكانه من المهندسين والأطباء والعلماء الباحثين ومن المحامين والأساتذة، وأصحاب التخصصات الدقيقة والنادرة، ولأن ذلك سيؤدي حتما إلى تغيير لا مفر منه في بنية الدولة، وإلى تنمية حقيقية، وإلى إحداث تحولات مجتمعية إيجابية.

إن من بين المؤشرات المعتمدة لقياس التنمية البشرية نجد نسبة عدد الأطباء بالنسبة لإجمالي الساكنة، ومن بين مؤشرات قياس مدى التقدم الصناعي نجد نسبة عدد المهندسين في المجتمع. فارتفاع  عدد الأطباء والمهندسين داخل أي مجتمع دليل على تقدمه. في الواقع، المغرب الرسمي ليس ضد التنمية، هو معها، لكنها تنمية على القياس، متحكم فيها وفيما ستفرزه من نتائج، أو ما يمكن أن نطلق عليها مجازا تسمية “التنمية تحت الطلب”، أي تنمية متدرجة، ترتكز على نفس المنطق الذي يحكم آلية اشتغال نظام الري قطرة بقطرة. تنمية تحت الطلب، أي وفق ما تطلبه وتشتهيه الأقلية المتحكمة، وكأنها دخلت مطعما راقيا، وقامت بحجز جميع المقاعد لفائدتها. إنها تنمية تحت الطلب تشمل مناطق بعينها دون غيرها، مع تهميش جهات أخرى، وداخل هذه المناطق نجد فئات معينة تستفيد من ثمارها وتساهم في ازدهار أنشطتها، مع اقصاء البقية… تنمية تشمل وتمس قطاعات محددة، والتي تصب أساسا في مصلحة الأقلية المتحكمة، وفي محفظتها المالية، وتنمي استثماراتها، مع تهميش قطاعات أخرى تجر ذيول الخيبة، لأنها ستدفع شريحة واسعة من المجتمع إلى الانعتاق من مخالب الفقر. وهذا ما يفسر لنا لماذا نجد قطاعات تسجل انتصارات (كقطاع السيارات، والطاقات المتجددة، والفلاحة، وصناعة الطيران والموانئ)، وقطاعات تسجل الانتكاسات وخيبات الأمل، كقطاعي التعليم والصحة العموميين، واستراتيجيات عمومية للإصلاح الإداري ومحاربة الفساد تراوح مكانها، وتم إجهاضها.

المنطق السليم يقتضي أن يتم بنفس النجاعة والحرفية والجدية التي تدبر بها هذه الملفات الناجحة، أن يتم تدبير بقية الملفات الحكومية، إلا أن ذلك لا يقع. فمثلا لو أدار المغرب قطاعي الصحة والتعليم، وغيرها من الملفات الاجتماعية بنفس المسؤولية والانضباط والالتزام التي يدير بها ملف قضية وحدتنا الترابية، لكانت بلادنا الآن في مصاف الأمم المتقدمة.

الأقلية المتحكمة ترغب في تقدم البلاد وتنميته، لكنها لا تريد تنمية تؤدي إلى خلخلة في ميزان القوى المجتمعية، وإلى إحداث تطور نوعي في الطبقة الوسطى؛ فهي تسعى إلى تنمية متحكم في نتائجها، بوتيرتين مختلفتين، وتيرة سريعة تخصها بمفردها، وأخرى بطيئة تخص بقية طبقات المجتمع.

في الواقع، بمقدور المغرب الرسمي، بموارده الحالية، أن يحقق تنمية شاملة متوازنة ومستدامة بين جهاته وطبقاته المجتمعية، تنمية تشمل الفرد والجماعة، الأرض والانسان، لكنه لا يريد ذلك، أَو بالأحرى أقليته المتحكمة هي التي لا ترغب في ذلك، إنما تريد تنمية تتيح للبعض الانعتاق من رحم الزجاجة، والبعض الآخر العيش على أمل زائف للخروج منها، وهي تضمن إجهاض أي حراك اجتماعي تقوم به هذه الفئة للمطالبة بتغيير الوضع القائم في مهده. فأي حراك من هذا النوع، وهذا ما أثبته الواقع، مداه قصير ومجال انتشاره محدود، ويخفت توهجه وبريقه بعد وقت وجيز، ويسهل احتواءه واحتواء مخرجاته، لأنه حراك يعجز عن تعبئة المجتمع بكامل أطيافه المنتهكة حقوقها الاقتصادية والاجتماعية، مادامت هذه التنمية قد أفرزت غالبية تحت وطأة الفقر، وتعيش في ضغط وخوف دائمين: خوف من أن تصاب بمرض، من شح في الدخل، من شبح البطالة، من اقتراب موعد الدخول المدرسي وموعد الأعياد، من التعثر في سداد أقساط الدين، إلخ. همها اليومي، ومطالبها تتلخص فيما يشبع البطون، لا فيما ينمي العقول.

باختصار، التنمية التي يريدها المغرب هي تنمية تحت طلب أقليته المتحكمة، تنمية متدرجة ومتحكم في نتائجها.

الدولة ليست عاجزة عن محاربة الفقر، باختصار شديد إنها لا تريد ذلك!

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة