المراكشي يكتب: استخلاف الإنسان وعمارة الأرض

الواضح24
كُتّاب وآراء
الواضح2416 أكتوبر 2021آخر تحديث : السبت 16 أكتوبر 2021 - 1:27 مساءً
المراكشي يكتب: استخلاف الإنسان وعمارة الأرض
إبراهيم المراكشي: أستاذ جامعي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية بطنجة

لا يزال هناك الكثير أمام البشرية لاكتشافه، ما توصلت إليه العلوم من اكتشافات لا تفسر سوى 1% من هذا الكون الفسيح، الذي له رب يديره بإحكام، ونتائج بعض هذه العلوم كانت كارثية على الإنسانية.

العلم الذي يعالج الإنسان به نفسه من السرطان، هو نفسه الذي أدى إلى التلوث الصناعي، والاحتباس الحراري، وإلى تفقير الأرض بالأسمدة وتلويثها بالمبيدات، وإلى استنزاف الثروة السمكية، الأسلحة النووية… أي هو نفسه الذي يسبب الأورام السرطانية، وغيرها من الأمراض الفتاكة.

أي علم هذا إن كان سيقود البشرية إلى فنائها، وليس إلى خلاصها؟ حينما تُغيب الأخلاق عن العلم، يتحول هذا الأخير إلى سلاح في يد البعض. الأخلاق هي ما يمنع العلوم من أن تنحرف عن مسارها الأصلي، والذي يصفه القرآن ب “الاستخلاف”، أي إعمار الأرض دون الإضرار بتوازنها البيئي.

لطالما استوقفتني منذ صغري الآية 7 من سورة الحديد، آية واحدة جاءت بالخلاصة، وتقول: “أنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه”. وهذه الآية في اعتقادي غير موجهة فقط للمسلمين، بل للإنسانية جمعاء. إن ما نملكه نحن فقط مستخلفين فيه. فأصحاب القرار (رؤساء، ملوك وحكومات) ملزمين بحسن الاستخلاف، ويندرج في هذا الإطار عقلنة تدببر الموارد وحسن ترشيدها، التقليص من الفوارق الطبقية، الجنوح إلى السلام والسلم وتفادي الصراعات المسلحة، حماية الطبيعية ومختلف أصناف الحيوانات، العدالة المجالية، الديمقراطية، كرامة وحقوق الإنسان، محاربة الرشوة، المحاسبة، الاهتمام بصحة الإنسان ورعايتها، حماية الأسرة، إلخ. كل هذه الأمور، وغيرها من الأعمال “الصالحة” تندرج في إطار وظيفة الاستخلاف.

والعلوم يجب أن تخدم هذه القضايا، وأن تكون في صالحها. وهذه مسؤولية عظيمة، تقع على الفرد الواحد منا وعلى الجماعة. المعادلة بسيطة: لا خير في أمة أبنائها ينامون جياع، وأسيادها في غنى، يدهم تطال كل متاع. يستحيل أن تجد هذه المعادلة في دولة متقدمة، فالرؤساء وأصحاب القرار لا يُسمح لهم باستغلال مناصبهم لتحقيق الثراء. في هذا الباب قوانينهم صارمة، وعدالتهم متأهبة، وصحافتهم يقظة، وجمعياتهم متحركة متعبئة. لقد نجحوا في هذا الباب، نجحوا في تنزيل مفهوم الاستخلاف، وفشلوا في مجالات أخرى، أما نحن، المغرب ومن على شاكلته، فشلنا على مختلف الصُعد. لنبتعد عن الشعارات، وعلينا ألا نثق كثيرا في المشاريع التي لم تساهم في تحرير الإنسان، إن العارف بخبايا الأمور يدرك هذه الحقيقة، ولهذا الفشل عنوان، ألا وهو: فساد السلطة وتفقير الأمة، إن في أخلاقها، قوتها، صحتها، تفكيرها… إنها جريمة مكتملة الأركان، لا نجد لها عقوبات في القوانين الجنائية لهذه البلدان، ومرتكبيها بمنأى عن أية محاسبة أو محاكمة، تمنح لنفسها صكوك الغفران.

لن نتقدم مادمنا بعيدين عن مفهوم الاستخلاف، فحينما سيدرك صاحب القرار أن كل ما يملكه، والعمل الذي يقوم به هو في الحقيقة مستخلف عليه، آنذاك بإمكاننا أن نقول أننا وضعنا أرجلنا على أول درج في سلم التقدم والازدهار. الحاكم صاحب قرار في مجاله، والأستاذ صاحب قرار في مدرجه، والطبيب كذلك في عيادته، والعالم في مختبره، والحداد في ورشته، إلخ. مفهوم الاستخلاف يعنينا جميعا، ويمسنا نحن بدرجات متباينة. #إبراهيم_مراكشي

رابط مختصر

عذراً التعليقات مغلقة